حسن عابدين.. من ميادين المقاومة إلى خشبة المسرح ورحلة حياة بين الفن والإيمان والنهاية الهادئة

وُلد الفنان حسن عابدين في 21 أكتوبر 1931 بمحافظة بني سويف، داخل أسرة كبيرة، إذ كان والده من الشخصيات المرموقة، وأنجب 15 طفلًا، وكان حسن هو الرابع بين إخوته. منذ سنواته الأولى أظهر ميولًا فنية، فشارك في العروض المدرسية والأنشطة المسرحية بالمحافظة، قبل أن تتغير حياته تمامًا مع اندلاع حرب 1948.

 

في سن السابعة عشرة، اتخذ قرارًا مفاجئًا بالسفر سرًا للمشاركة في مقاومة الاحتلال في فلسطين، دون علم أسرته. انتقل إلى الإسماعيلية مع مجموعة من المتطوعين، وتلقى تدريبات على يد قيادات من الجيش المصري، ثم عبر إلى فلسطين، حيث واجه مشاهد قاسية تفوق عمره، وشهد استشهاد رفاقه أمام عينيه. استمر في العمل الفدائي قرابة عامين، وشارك في عمليات ضد العصابات الصهيونية، قبل أن يتم القبض عليه مع عدد من زملائه ومحاكمتهم في حيفا، حيث صدر حكم بالإعدام بحقهم، إلا أنهم نجوا في واقعة درامية بعد تهديد باقتحام المحكمة، ليعود بعدها إلى مصر محملًا بتجربة غيّرت نظرته للحياة والدين والوطن.

 

بعد عودته، أنهى دراسته الثانوية وعمل في محكمة بني سويف، لكنه سرعان ما ترك الوظيفة متجهًا إلى القاهرة، حيث طلب نقله إلى وزارة الثقافة ليبدأ طريقه الفني. عقب ثورة 1952 التحق بالمسرح العسكري، ثم انضم إلى فرقة يوسف وهبي، حيث نشأت بينهما علاقة فنية قوية، وشارك في العديد من عروض المسرح خلال الخمسينيات، إلى جانب أعماله في المسرح الحديث والقومي، كما حققت أعماله التلفزيونية انتشارًا واسعًا بين الجمهور.

 

تزوج لاحقًا من ابنة عمه بناءً على رغبة والده، ورُزق منها بأربعة أبناء. لكن حياته شهدت منعطفًا روحيًا مؤثرًا أثناء أدائه العمرة، حين تأثر بشدة عند زيارة قبر الرسول، ما دفعه للتفكير في اعتزال الفن، إلا أن لقاءه بالشيخ محمد متولي الشعراوي غيّر قراره، حيث أكد له أن الفن رسالة إن التزم بالقيم والهدف النبيل، وهو ما أعاده إلى العمل بقناعة جديدة، فقدم أعمالًا تحمل طابعًا اجتماعيًا ودينيًا، أبرزها حلقات “نور الهدى”.

 

رغم نجاحه، عاش لحظات ندم على بعض أدواره، خاصة مشاهد من فيلم “درب الهوى”، حتى أنه دخل في خلافات حادة مع بعض صناع العمل، وعبّر عن رفضه لتلك التجربة بشدة.

 

في سنواته الأخيرة، أصيب بمرض سرطان الدم، لكنه ظل متمسكًا بقيمه حتى رحيله عام 1989 في لندن عن عمر 58 عامًا. وقد رُويت لحظاته الأخيرة بأنها كانت مؤثرة، إذ ظل يردد الشهادة حتى وفاته، بعد أن أوصى أبناءه بالتقوى والزهد في مظاهر الدنيا، لتبقى سيرته نموذجًا لفنان جمع بين التجربة الوطنية والالتزام الفني والبعد الإنساني العميق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى